الأحد، 15 سبتمبر 2013

بشّار على خطى القذافي وصدّام

بشّار على خطى القذافي وصدّام

  • قاسم حسين
  • قاسم حسين ... كاتب بحريني
  • Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

يبدو أن الأنظمة العربية الجمهورية الديمقراطية، التي تحوّلت بفعل الطفرات الجينية إلى جمهوريات وراثية، تسير إلى نهايتها المحتومة بالطريقة المأساوية نفسها.
رأينا ذلك أولاً في العراق، ورأيناه أخيراً في ليبيا، وما بينهما مصر واليمن السعيد!
في العراق، أحكم صدّام قبضته على السلطة بعد تصفية جميع رفاقه، ليتفرد نهائياً بالحكم، ولتبدأ مرحلة الطغيان والمقابر الجماعية وملء السجون. وفي عهده الميمون الذين استمر عشرين عاماً، خاض ثلاثة حروب، انتهت بالغزو الأميركي، بعدما سلّم «النفط مقابل الغداء»، وسلّم الأسلحة التي كدّسها من أموال الشعب وقوته ليدمّرها الأميركان، مقابل البقاء في الحكم، مع أن ذلك الخضوع لم يضمن له البقاء.
في ليبيا، وبعد إسقاط صدّام ومحاكمته وإعدامه، أقدم القذافي على تسليم أسلحته إلى الأميركان طوعاً، دون حرب أو غزو! وبدل أن يسمح للمفتشين الدوليين بالمجيء إلى ليبيا وتحمّل وعثاء السفر وتكاليفه، تبرّع بشحن المعدات والأسلحة والمكوّنات الكيماوية مجاناً لتصل برسم الخدمة إلى موانئ الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية الصديقة! كل تلك الخدمة المجانية لم تضمن له البقاء، ولم تنفعه حتى شبكة العلاقات الحميمة التي أقامها مع برلسكوني وساركوزي، فكلاهما شارك في إعلان الحرب عليه عندما حان الأجل وسلّماه إلى مصيره المحتوم!
اليوم السيناريو نفسه يتكرّر أمام المشهد السوري، فبصورةٍ مفاجئةٍ يقترح وزير خارجية روسيا مشروع التخلّص من الأسلحة الكيماوية السورية، في مؤتمر صحافي، ويعلن نظيره السوري المعلم القبول، فالروس يعرفون مصلحتنا أفضل منا، وهم أحرص منا على مستقبلنا وأمننا! وقد اكتشفنا فجأةً أن ما أثير عن ضربةٍ أميركيةٍ (لم تكن واردةً عملياً) لسورية لم تكن إلا تمهيداً لإخراج هذا الإعلان الفظيع.
لقد كان السلاح الكيماوي السوري يحقّق درجةً دنيا من الردع، في ظلّ انعدام التوازن بين الطرفين العربي والاسرائيلي، ولذلك كانت «إسرائيل» تدندن على خطورة هذا السلاح، وتطالب بنزعه منذ أمدٍ بعيد. فنزع السلاح الكيماوي السوري هو مطلب إسرائيلي استراتيجي... ومن السخف أن يخرج أمس وزيرٌ سوريٌ ليصرّح بأن ذلك نصرٌ لبلاده! إنها قمة الاستخفاف بالعقل العربي.
هذه الأنظمة الجمهورية الدكتاتورية الوراثية، لا تحارب عدواً وجهاً لوجه، ولا تصد غازياً، وكل بطولاتها تسجّلها في الساحات والميادين الداخلية ضد شعوبها التي تطالب بحياةٍ تليق بكرامة البشر، فتهدم المنازل على رؤوس سكانها، وتتخذ من جماجم وأشلاء العزّل أوسمة ونياشين.
وزير الخارجية الأميركي (كيري) صرّح أمس الأول بأنه اجتمع مع نظيره الروسي (لافروف) للإسراع في خطة تدمير الأسلحة الكيماوية السورية، وقد حدّدا لدمشق مدة أسبوعٍ لتوافيهم بقائمةٍ بالأسلحة وكميّاتها ومواقعها، على أن يجري التخلص منها في مدة أقصاها منتصف العام 2014. وقد طار إلى فلسطين المحتلة ليبشّر رئيس وزراء الكيان الصهيوني (نتنياهو) بهذا الإنجاز التاريخي الكبير الذي كانت تحلم به «إسرائيل».
الآن سيزيد الضغط على بشار الأسد لإثبات حسن نواياه، والتزامه بتعهداته الدولية بنزع السلاح الكيماوي بالكامل، مع التهديد بضربةٍ عسكريةٍ كلّ بضعة أسابيع، حتى يخضع بالكامل للإرادة الأميركية.
إنه زمن المفارقات الكبرى، أن يأتي هذا التنازل المذل في لحظة تراجعٍ للقوة الأميركية، وارتباكٍ في القرار وانسحابٍ متعثرٍ من المنطقة. والنظام الذي دعم حركات المقاومة وتحمّل تبعات قراره أربعين عاماً، واقتطع من قوت شعبه للتزود بالسلاح، يسلّمه في لحظة ضعف وتضعضع، وينسى أن خضوع صدام والقذافي وتسليم أسلحتهما لم ينقذهما من المشنقة والسقوط.
قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 4027 - الإثنين 16 سبتمبر 2013م الموافق 11 ذي القعدة 1434هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق